مسجد الكوفة

     المسجد هو الموضع الذي يسجد فيه , وسمي المسجد مسجداً لأنه موضع الصلاة اعتباراً بالسجود , ويرى الزجّاج : أن كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد ، أخذاً من حديث للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه : (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) وقال الفراء : المسجد بكسر الجيم والفتح جائز وهو موضع السجود من بدن الإنسان والجمع مساجد (1) . وورد ذكر المسجد في القرآن الكريم عدة مرات فمن ذلك قوله تعالى : (( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر )) (2) , و (( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم )) (3) , و (( إن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً )) (4) .

جاء ذكر المسجد وفضيلته وأحكامه في جمهرة من الأحاديث النبوية الشريفة , وفي أقوال الأئمة والصحابة والتابعين والفقهاء المتقدمين (5) .

أما الجامع فهو صفة للمسجد لأنه علامة للاجتماع , والمسجد الجامع الذي يجتمع فيه الناس وتقام فيه الجمعة , ثم أخذوا يطلقون لفظة الجامع على كل مسجد تقام فيه الجمعة , وفي العصور المتأخرة يطلقونها على كل مسجد يصلى فيه .

وكان العرب  تارة يقتصرون على كلمة المسجد , وتارة يقولون المسجد الجامع وطوراً يضيفونها إلى الصفة فيقولون (( مسجد الجامع )) ثم تجوز الناس فيما بعد واقتصروا على الصفة فقالوا ( المسجد الكبير والجامع ) والذي تصلى فيه الجمعة وان كان صغيراً , لأنه يجمع  الناس لوقت معلوم , وهكذا يتجلى لنا الجامع كصفة شمول واستيعاب لموصوف مقدر هو المسجد فالعبارة الكاملة هي المسجد الجامع , ويسمى أيضاً مسجد الجمعة , أي خطبة الجمعة التي تجمع عامة مسلمي البلد الواحد في مسجد جامع واحد , إذ يستكره تعديد (( الجمع )) في المدينة الواحدة قدر الإمكان , ولكن كلمة الجامع تطلق على الجامع لغير هذا المعنى أيضاً فهي معنى الشمول والاستيعاب لوظيفة الإسلام .

وأول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قباء الذي يقال له مسجد التقوى لقوله تعالى فيه (( لمسجد أسس على التقوى من أول يومٍ )) (6) .

وكان هذا المسجد أول تنظيمات رسول الله (صلى عليه وآله وسلم) في المدينة ليكون مقراً للحكومة الإسلامية الجديدة ومصلى للمسلمين ومحلاً عاماً لاجتماعاتهم ولتشاورهم في الأمور العامة للدولة .

 ولما افتتح الخليفة عمر ابن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجداً للجماعة , وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك , وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك , وكتب إلى أمراء الشام إلا يتبددوا في القرى وأن ينزلوا المدائن وأن يتخذوا في كل مدينة مسجداً , وبهذا أصبح في كل مدينة جامع واحد للجمعة طيلة القرن الأول الهجري , ولما أسست بغداد جعل فيها جامعان للجمعة أحدهما في مدينة المنصور المدورة في الجانب الغربي والثاني بالرصافة في الجانب الشرقي , وفي القرن الرابع الهجري أصبح في كل مدينة عدة جوامع لإقامة الجمعة فكانت في بغداد ستة جوامع , وفي القاهرة سبعة جوامع , وفي البصرة ثلاثة جوامع , وفي نفس الوقت بقيت مدن رئيسية كثيرة على جامع واحد ومنها الكوفة , وخلال هذه الفترة وما تلاها شيدت ألوف المساجد في مشارق الأرض ومغاربها.

ومن الجدير بالذكر هنا أن جميع المساجد قد مرت بأدوارٍ ثلاثة من حيث الهيئة المعمارية هي البناء الأول البسيط والذي يكون من القصب , وأحيطت المساجد بخندق يمنع ولوج الناس إليها دون طهارة ولمنع دخول الحيوانات كالذي صنعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) في بداية الدعوة الإسلامية وقلده المسلمون عندما خططوا مسجد الكوفة إذ لم تكن له جدران , ثم حل محله القصب واللبن .

واستعمل بعد ذلك الآجر أو الحجر بدل اللبن , وهذه المراحل تعتبر طبيعية لدى كل كيان حيث إن التطور سنة وخاصة بالنسبة إلى المساجد التي تعتبر المظهر السياسي والكيان النابض للفكرة الإسلامية فلا بد والحالة هذه أن يكون المسجد الإسلامي واجهة يستوضح منها التطور الذي تمر به الأمة من خلال الفتوحات الإسلامية الواسعة , وقد عمد المعماريون المسلون إلى الإبقاء على مظاهر البساطة في المساجد بشكل يتناسب والانتصارات التي حققتها الدولة الإسلامية .

وفي آخر المراحل من تاريخ المساجد الإسلامية , حصل تطوراً كبيراً في ميدان عمارتها بفعل تأثيرات كثيرة منها منافسة معابد أهل الذمة , والتطور الطبيعي للفن الإسلامي , بفعل الشعوب ذات الحضارات والفنون التشكيلية المتقدمة التي دخلت في الإسلام , وأصبحت تكون عناصر هامة في الدولة الإسلامية , فظهرت القباب والمآذن والأعمدة والأبواب والسقوف المنقوشة وعلقت التحف والثريات وأضيئت بالأنوار الساطعة كما عنى عناية خاصة بالزخرفة وجعلها تحفة نادرة تضاف إلى الهيئة المعمارية الجميلة .. على أن الإسلام قد رغب عن هذه الأمور وكرهها ونهى عن زخرفة المساجد والإسراف في بنائها لئلا تشغل المصلين بروعة بنائها عن مراقبة ربهم , وحسن التوجه إليه , ومما يصح الاستشهاد به في هذا المجال إن عمر بن عبد العزيز عندما نظر إلى زخارف المسجد الأموي بدمشق عزم على إبطالها وروي أنه قال : (( لقد هممت أن اعمد إلى تلك الفسيفساء , وذلك الرخام فأقلعه وأجعل مكانه طوباً , وانزع تلك السلاسل واجعل مكانه الستائر فأبيع ذلك وادخله (( بيت المال )) ثم عدل عن ذلك .

وهدف الإسلام من ذلك كله هو الحفاظ على بساطة المساجد لتبقى كرمز إلى جانب هام من جوانب العقيدة الإسلامية ذلك هو سهولتها ووضوحها وبعدها عن التعقيد .

منقول من كتاب العتبات المقدسة لمحمد سعيد ألطريحي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   للتوسع في مدلول اللفظة ومعانيها يراجع :

مقاييس اللغة 3\133-134 , قاموس البلاغة 1\423 , الصحاح 1\ 481 المفردات للراغب الاصفهاني : 223 , القاموس المحيط 1\310 مجمع البحرين 3\65 تاج العروس 2\371 المصباح المنير 1\286 المعجم الوسيط 1\416-417 معجم ألفاظ القرآن (مجمع اللغة العربية ) 1\570-72 .

(2)   سورة التوبة – الآية 18 .

(3)   التوبة – الآية 17.

(4)   سورة الجن- الآية 18 .

(5)   راجع مثلاً وسائل الشيعة 3\ 447 – 556 , سنن أبي داود 1\106 – 114 .

(6)   سورة التوبة – الاية 108 .

 المصدر :

http://www.masjed-alkufa.net/articles.php?article_id=110

 304b05128778

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*