الرئيسية » تحقيقات » التحرير .. وأسرى الخيام إلى الحرية

التحرير .. وأسرى الخيام إلى الحرية

في اليوم الثالث لعمليات التحرير، تقاطر الألوف من الأهالي المنتظرين من كل حدب وصوب، وكانت الأجواء الصباحية حذرة بسبب تواصل الاعتداءات الصهيونية، في حين كان موقع زغلة ما زال يحوي قوة إسرائيلية قوامها ثمانية جنود بإمرة ضابط معززين بدبابة ميركافا، وعمدت هذه القوة إلى احتجاز ثمانية عناصر من ميليشيا العملاء من أجل الاحتماء بهم خلال الانسحاب من الموقع، وفي هذه الأثناء كان الأهالي يتحضرون في بلدة ميمس للبدء بمسيرة تحرير حاصبيا وباقي القرى، في حين كانت قوات الاحتلال تسعى في عملية معقدة لاستنقاذ القوة التي ما زالت في موقع زغلة، وأصبحت محاصرة في الطرف الجنوبي للتلة، وكانت مهددة بأن يطبق عليها رجال المقاومة والوقوع في الأسر، فعمدت الطائرات الحربية الصهيونية إلى قصف مكثف للمنطقة في طوق ناري حول الموقع.

واستهدفت الغارات جسر وادي ميمس الذي يربط قرى حاصبيا المحررة بالأخرى المحتلة لجهة الشرق وجسر آخر في محيط ميمس يربط البلدة بمنطقة زمريا، كما دمرت الغارات جسراً ثالثاً يربط قاطع ميمس بالحاصباني عبر زمريا فضلاً عن الأحراج المحيطة بتلة زغلة، وشاركت المدفعية الصهيونية في العباسية بقصف المناطق المذكورة بأكثر من 300 قذيفة، وتمكنت القوة الصهيونية في الموقع عند الساعة الثالثة والنصف في ظل غزارة القصف الناري من الانسحاب عبر طريق ترابي يربط الموقع بالحاصباني ومن هناك باتجاه تلة الشريفة، وبعد ساعة واحدة زحفت مسيرات الأهالي الذين أتوا بالسيارات ومشياً على الأقدام باتجاه حاصبيا، واستقبلهم سكان المدينة وقرى عين قنيا وشويا وشبعا وكفرشوبا والهبارية والفرديس وعين جرفا وكفرحمام وبرغز، وكذلك أهالي بلدات إبل السقي ودبين وبلاط، ودخل المقاومون الذين رافقوا الأهالي إلى موقع زغلة الذي ترك الاحتلال داخله دبابة من طراز ت 54 وناقلات م113 وشاحنات وسيارات جيب وخمسة مدافع هاون فضلاً عن أسلحة متوسطة وثقيلة، وخرائط ومستندات عائدة لجيش العدو وعملائه، كما دخل المقاومون إلى مواقع شويا وعين قنيا وزمريا حيث بقيت داخلها كميات كبيرة من المعدات العسكرية والآليات والذخائر فضلاً عن مدفع من عيار 130 ملم لم يتمكن جنود العدو من سحبه أثناء اندحارهم. وفي بلدة شبعا أقام الأهالي الذين تبقوا فيها برفقة مجموعة من الأهالي الذين وصلوا إليها احتفالا بالتحرير مما حدا باثني عشر عميلاً إلى تسليم أنفسهم إلى الأجهزة الرسمية عبر مختار البلدة.

وتزامن تحرير منطقة حاصبيا والعرقوب مع بدء العملاء إخلاء المواقع تدريجياً واللجوء إلى مشايخ البياضة، وبلغ عدد هؤلاء حوالي 250 عميلاً تم جمعهم في بعض المنازل، وتم نقلهم بواسطة سيارات تابعة للصليب الأحمر اللبناني بمواكبة عدد من المشايخ إلى قاطع ميمس، وعملت قوة من الجيش اللبناني هناك على تسجيل أسمائهم ونقلهم بشاحنات عسكرية، كما استسلمت دفعة ثانية من العملاء في قرى الهبارية وكفرشوبا وكفرحمام إلى مخفر درك حاصبيا.

وأصدرت قيادة الجيش اللبناني بياناً جاء فيه: يطلب إلى جميع عناصر ميليشيا لحد المتعاملة مع العدو الإسرائيلي الذين لم يسلموا أنفسهم بعد، وجوب تسليم أنفسهم دون تأخير إلى أقرب مركز عسكري تابع للجيش اللبناني عند المعابر الآتية: الحمرا، بيت ياحون، كفرتبنيت، كفرفالوس، باتر وزمريا، وذلك بحضورهم شخصياً إلى هذه المراكز أو بواسطة مخافر الأمن الداخلي المتواجدة في المنطقة. وأفادت مصادر أمنية أن أكثر من نصف عدد العملاء اللحديين، أي حوالي 1250 عنصراً قد استسلموا للجيش اللبناني والمقاومة.

والتحقت قرى رميش، دبل، عبن إبل والقوزح بسائر القرى المحررة بعد اندحار الاحتلال عنها، ودخلها الأهالي وأقاموا الاحتفالات في ساحاتها، وكانت بلدات الناقورة، مروحين، رامية، شمع، طيرحرفا، البياضة، شيحين، الجبين، يارين وعلما الشعب في القطاع الغربي قد التحقت بدورها بالقرى المحررة، وعمل أهالي بلدة الناقورة على إزالة البوابة التي وضعها الاحتلال. وعلى خط آخر انسحبت قوات الاحتلال فجراً من مواقع البرج وعلي الطاهر والطهرة والدبشة المشرفة على منطقة النبطية، وبقيت قوة صهيونية في موقع قلعة الشقيف، كما أخلى العدو موقع السويداء، المشرف على بلدة عربصاليم التي عانى أهلها الويلات الكثيرة من جراء الاعتداءات التي كانت تنطلق منه، وقد فجر الجنود الذين كانوا بداخله الدشم والتحصينات في ظل تغطية كثيفة من القصف المدفعي الذي استهدف المناطق المحيطة بالموقع، بهدف تسهيل اندحار الجنود والعملاء عنه، وعند الصباح اندفع الأهالي إلى تفقد الأحياء التي هجروها داخل البلدة بفعل الاعتداءات الصهيونية المستمرة، ومن ثم تسلقوا باتجاه الموقع ورفعوا على دشمه وتحصيناته رايات المقاومة، وفوجئ الأهالي والمقاومون بقصف استهدفهم داخل الموقع ما أدى إلى جرح المواطن عباس علي حنجول ما اضطرهم إلى تركه والعودة إلى البلدة، وبعد وقت قليل عمدت الطائرات الحربية الصهيونية إلى قصف الموقع وتدمير ما تبقى منه.

رابة الظهر أخلى العملاء موقعهم في بلدة أرنون وانسحبوا باتجاه جسر الخردلي على نهر الليطاني، وحاول عدد من المواطنين الدخول إلى البلدة من جهة كفرتبنيت فتعرضوا لنيران الرشاشات من موقع الاحتلال في موقع الشقيف، وبعد الظهر قصفت مدفعية الاحتلال بقذائف من عياري 155 ملم و175 ملم مواقع العدو في القلعة ومزرعتي الحمرا والمنصورة وسهل يحمر الشقيف ومروج كفرتبنيت وثكنة الجيش اللبناني المهجورة في النبطية وخراج بلدات كفررمان، حبوش النبطية الفوقا ووادي الكفور ومجرى نهر الزهراني، مما يعني أن قوات الاحتلال قد أخلت هذه المواقع، وتأكد ذلك ليلاً حيث أفيد أيضاً عن انسحاب العدو من ثكنتي الريحان والعيشية.

وكانت الطائرات المعادية أغارت نهاراً على ثلاث دفعات على الطريق المؤدية إلى بلدات الريحان وعرمتى وكفرحونة والسريرة وألقت عليها صواريخ ثقيلة مما أدى إلى قطعها بحفر كبيرة بهدف إعاقة عودة أبنائها إليها. وفي إطار اعتداءاتها التي استهدفت الأهالي العائدين قصفت مدفعية العدو بلدة مارون الراس كما أغارت الطائرات الحربية على ملالة غنمتها المقاومة.

في هذا الوقت كانت قوة من جيش الاحتلال لا تزال تتمركز داخل ثكنة مرجعيون وعدة مواقع في منطقة الريحان – العيشية، في حين عمدت العناصر اللحدية في هذه المنطقة إلى التجمع في مطرانية مرجعيون، وأحصي حوالي 350 عميلاً، وفي كنيسة بلدة القليعة حيث أحصي حوالي 500 عميل، وفي مسجد الخيام حوالي 120 عميلاً، وأرسل العديد من العناصر في مواقع بئركلاب والريحان والعيشية، عبر وسطاء يطلبون تسليم أنفسهم إلى الجيش اللبناني، ولم يبق سوى مواقع بلاط والشريفة والعبّاد، فضلاً عن جيب في العيشية – الريحان وآخر في مرجعيون – القليعة وثالث في بلدة العديسة التي تتداخل منازلها مع منازل المستوطنين، وقد أخلاها العدو مع انتصاف اليوم الرابع للتحرير.

الفرحة الكبرى التي عاشها الأهالي تمثلت بتحرير الأسرى المحتجزين في معتقل الخيام، حيث تردد أن قيادة الاحتلال والعملاء قررت نقلهم إلى داخل فلسطين المحتلة، ولكن تسارع التطورات والاجتياح البشري العارم الذي عم القرى المحررة قطع الطريق أمام أي إمكانية للعدو من تحقيق ذلك، فما أن وطأ الأهالي أرض بلدة الخيام حتى توجهوا مع أهالي البلدة إلى المعتقل بعد فرار حراسه في ساعات الصباح الأولى، وغادر العملاء المولجون بحراسة المعتقل في موكب ضم حوالي أربعين سيارة مدنية ومصفحة وهم يطلقون النار في الهواء لتفريق المحتشدين، وتوجهت القافلة إلى بلدة المجيدية عند الحدود حيث توجد إحدى بوابات العبور نحو فلسطين المحتلة، واجتاح حوالي خمسمئة شخص من الأهالي المعتقل في وقت لم يكن الأسرى واعين لما يجري حولهم، وحطم الأهالي أبواب الزنازين بما وصلت إليه أيديهم من عصي وقضبان حديدية، وكان اللقاء الكبير واختلطت الأيدي والأصوات المهللة بالنصر والتحرير، وتجمع الأسرى المحررون في حسينية بلدة الخيام لإحصائهم والتأكد من عددهم وهو 144 أسيراً.

te71-150x150

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .