الرئيسية » بريد القراء » عندما تلتقي بوطنٍ يسكن في رجُل

عندما تلتقي بوطنٍ يسكن في رجُل

عندما تلتقي بوطنٍ يسكن في رجُل…
ليس تكبرا أو طمعاً برؤية رجل يتحكم بعقارب الساعة اللبنانية بحكمته المشهودة، بل فقط، وأكرر فقط، للوقوف أمام تاريخٍ من العطاء استوطن في شخصه المفقود مثيله. عندما أعلمت بموعد اللقاء المنتظر، لم تنتظر ساعاتي الموعد، لكنها استبقت الزمن، وحملتني الأفكار المعتزة بالوقوف أمام أمين يسهر في كل لحظة على حماية هذا الوطن. وصلنا مع عزيزٍ رافقني والعائلة وكأننا في بيتٍ سقطت عند أسواره المؤامرات والحسابات والمعادلات. يخرج من مكتبه بتواضعه المعهود، مستقبلا نظراتنا المليئة بالأمل والفخر، ببسمته العريضة المفتوحة على تاريخ يعجز عن جمع ما اختزنه من وفاء وتضحية. يغمرك بعطف الأب الذي لم تغفو عيناه يوماً عن أبناء الشهداء، ويدعوك لتجالس جبينه الممتد من شمال لبنان إلى جنوبه، وهنا، يحتار الحديث بين كفيه، من أين يبدأ الكلام، وإن بدأ قد لا ينتهي… تتشابك نظرات الحب واللهفة، حبّ والدٍ ولهفة إبنٍ تربى على أفكاره، واستلهم من قلمه الكلام ومدّه بالحبر. لا تدري من أين يأتيك الكلام، وهو سيد الكلام والمواقف والرجولة، يتمايل الذهب بين شفتيه، وتأمّل هالته المغمّسة بالطمأنينة في وجوده، يسرق الجواب على أسئلته، ثم يطلق للسانك العنان، ويجلس مستمعاً وكأنه ينتظرك أن تتكلم. يترك مكتبه الخشبي ويختار أن يجلس إلى جانبك، يبحر بك بين شاطئ لكنته الجنوبية التي لم يغيرها التمدّن، وبحر الطّيبة التي تسكن في كل همسة ينطقها. أحمل كتابي المتواضع “أوّل الحروف”، الذي لا يعني شيئاً أمام كتابه المفتوح على أمجاد الزّمن، أضعه بين يديه المسكونتين بالإرادة، واللتين قد خشنتا من البذل، ولم يقوى عليهما الخضوع والضعف، يتصفح بضع صفحات من كلماتي الخجلة من عينيه، ويحتفظ برأيه وإعجابه حتى ينهي القراءة من الغلاف حتى الخاتمة… تمر الدقائق سريعاً وتموت على مذبح الحديث الذي تدعو أن لا ينتهي، يحين موعد المغادرة، وبحسرة بل وبتعطش للمزيد، تحمل عينيك وتمضي، دون أن تنظر أمامك حتّى تستغلّ كل ثانية تمرّ بالنظر إلى فرادته، خشية أن لا تنال شرف الرؤية ثانيةً، ولا ينسى بدولة مكانته أن يقوم بواجب الوداع على باب مكتبه الذي تسجد في كل زاوية منه، حكاية عن قرار حر، ووشوشةً عن حديثِ عزّة سجد أمامه هنيهةً قبل أن يمرّ من هنا… نغادر المكان، وبوداعه نتناسى يُتماً ونعيش يتماً جديد، وكلّنا حمدٌ لربٍ منّ على هذا الوطن بهذا الرجل، على أمل موعدٍ ولقاء قريب… ولدُك
علي حسين عطوي
download

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .