الرئيسية » تحقيقات » تاريخ العتبة العباسية المقدسة

تاريخ العتبة العباسية المقدسة

شموخ المآذن والقباب الذهبية للمرقدين الطاهرين هي أول شيء تكتحل به عينا الزائر حين يصل إلى مشارف كربلاء المقدسة، فمرقد سيد الشهداء وأبي الأحرار الحسين بن علي (عليهما السلام) وأخيه وحامل لوائه أبي الفضل العباس (عليه السلام) هما درة المدينة وقلبها النابض بالحياة والثورة والإباء، وتذكير دائم باستمرار رسالة السماء الحقة رغم أنف الطغاة.
يقف الزائر أمام هذه المراقد الطاهرة ليستوحي منها معاني البطولة والإيثار والثبات على المبادئ الحقيقية التي جاء بها سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن تجسدت بأعلى معانيها في طف كربلاء وفي أعظم ملحمة عرفها التأريخ والتي ما كان للإسلام أن يستمر بحقيقته الناصعة لولاها، فاستحقت بذلك أن تكون تجسيدا لحقيقة أن (الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء)…
وعند ذلك الوقوف، تغرورق عينا الزائر بالدموع بعد تذكره لهول الفاجعة وعظم المصاب، حيث جرت عادة الكثير من الصالحين على الاتجاه في الزيارة أولاً إلى مرقد قمر بني هاشم وفخر عدنان أبى الفضل العباس (عليه السلام) باعتباره وزير أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) وبابه، ومن أراد البيت أتاه من بابه…
وهكذا يؤدي الزائر مراسيم الزيارة له (عليه السلام) في مرقده حيث هو نفسه موضع استشهاده في العاشر من محرم الحرام من عام 61هـ، والذي يقع على مقربة من مشرعة الفرات، وفي مكان مستقل عن مدفن أنصاره ضدّ الباطل أهل بيت الإمام الحسين وأصحابه النجباء المستشهدين معه، والذين جُمعوا من قبل عشيرة بني أسد ودُفنوا بأمر وإشراف مباشر من الإمام السجاد علي بن الحسين (عليهما السلام)، في مكان واحد على مقربة أمتار شرق مرقد سيد الشهداء عليه السلام، حيث لم يتمكن أبناء تلك العشيرة من رفع الجسد المطهر لأبي الفضل العباس عليه السلام، ودفنه مع الشهداء – ومنهم ثلاثة من أشقائه – وذلك بسبب ما أصابه من ضرب السيوف وطعن الرماح وغيرها الكثير الذي جعل من الصعب أن يحمل الجسد المطهر دون أن يتضرر فأمر الإمام السجاد (عليه السلام) بإبقاءه في مكانه الذي وقع فيه عن جواده ليدفن فيه.
ويكاد لا يخلو هذا الاستقلال في الدفن من حكمة وأسرار للمتأمل، خاصة وأن ذلك استلزم أن يكون له (عليه السلام) شباك للضريح المقدس خاص به وعتبة مستقلة بكل تفاصيلها عن العتبة الحسينية المقدسة التي ضمت باقي الشهداء (رضوان الله) عليهم في جزء منها… وهكذا شِـُـيد صرحٌ شامخٌ من صروح الحق في دنيا الإسلام على مرقد أبي الفضل (عليه السلام)، صانعاً بذلك مجداً عظيماً ناله قبل ذلك صاحب المرقد مع المقام العالي والمنزلة الرفيعة عند الله عز وجل، فقد قال الامام السجاد (عليه السلام) في رواية عن زائدة ينقل فيها كلام السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) معه ( … ولقد اخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات انهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس اثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد اثره الا ظهورا، وأمره الا علوا)(1)وقال ابن طاووس في كتابه (الإقبال): (انهم أقاموا رسماً لقبر سيدٍ بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق).
ومن أجل التعريف بالمراحل التأريخية التي مر بها مرقد أبي الفضل (عليه السلام) تعميرا وتطويرا، يجب أن ننوّه إلى أن كل من شيّد الروضة الحسينية المقدسة تولى تشييد الروضة العباسية المقدسة أيضاً حيث نال الأخيرة ما نال الأولى من إعمار ويكونان بذلك قد مرا بنفس مراحل إعادة البناء أو التطور تقريبا، ويذكر المؤرخون إن الذين قاموا بهذه الأعمال والتحسينات هم السلاطين والأمراء والمحسنون الميسورون، أما في السنوات الأخيرة التي تلت سقوط الطاغية في 9/4/2003م فقد حصل تغيير جذري شكّل مرحلة فاصلة عن المراحل السابقة من حيث الإعمار والتطوير وأساليبهما حيث عادت الشرعية إلى إدارة العتبة وأصبحت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف تشرف عليها، وقامت هذه الإدارة بأعمال التطوير والإضافات الكبيرة على العتبة وأصبحت الكوادر العراقية للعتبة هي من ينفذ مشاريعها و يشرف على المتبقي منها بينما كانت تلك الأعمال تجري قبل هذه المرحلة التأريخية من قبل كوادر خارج العتبة، عراقية كانت أو غيرها وعلى شكل مقاولات وما في ذلك الأمر من تأخير أحياناً وهدر لأموال العتبة بعكس فيما لو نُفّذت مباشرة من قبل كوادرها كما يحصل في ظل هذه الإدارة.
وفيما يلي سندرج المراحل التأريخية التي مر بها المرقد الطاهر من حيث إعادة البناء أو التطوير وستقسم وفقاً للقرون الهجرية، علماً أن ما سنطرحه في تلك الفقرات يندرج ضمنه البعض من الأعمال البسيطة في حجمها، وقد لا تعدو أحيانا تزيين المرقد بزخرفة ما أو تبديلاً لباب، أو جلب منفعة بسيطة للعتبة، بينما كانت فقرات الإعمار الخاصة بما بعد سقوط اللانظام الديكتاتوري حافلة بمشاريع كبيرة ومتوسطة وصغيرة فضلاً عن البسيطة مما ذكرناه آنفاً، مما يحتاج للإيفاء بحقّهِ كراساً مستقلاً، وإن هذه الفترة تـُعد فاصلاً تأريخياً لما سبقها- وكما ذكرناه آنفاً -، وربما يوازي حجم المشاريع التي جرت فيها ما جرى للعتبة قبلها خلال قرنين أو أكثر.

http://alkafeel.net/ataba/tar/index%201.html

العتبة العباسية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .